أبو حامد الغزالي

223

تهافت الفلاسفة

فهذه خاصية النبوة ، التي هي للقوة المتخيلة . الثاني : في القوة النظرية العقلية ، وهو راجع إلى قوة الحدس ، وهو سرعة الانتقال من معلوم إلى معلوم ، فرب ذكى ، إذ ذكر له المدلول ، تنبّه للدليل ، وإذ ذكر له الدليل تنبّه للمدلول ، من نفسه ، وبالجملة ، إذا خطر له الحد الأوسط ، تنبّه للنتيجة ، وإذا حضر في ذهنه حدّا النتيجة ، خطر بباله الحد الأوسط ، الجامع بين طرفي النتيجة . والناس في هذا منقسمون ، فمنهم من يتنبه بنفسه ، ومنهم من يتنبه بأدنى تنبيه ، ومنهم من لا يدرك مع التنبيه ، إلا بتعب كثير ، وإذا جاز أن ينتهى طرف النقصان ، إلى من لا حدس له أصلا ، حتى لا يتهيأ لفهم المعقولات ، مع التنبيه ، جاز أن ينتهى طرف القوة والزيادة ، إلى أن يتنبه ، لكل المعقولات أو لأكثرها ، وفي أسرع الأوقات وأقربها . ويختلف ذلك بالكمية ، في جميع المطالب ، أو بعضها ، وفي الكيفية ، حتى يتفاوت ، في القرب والبعد ، فربّ نفس مقدسة صافية ، يستمر حدسها في جميع المعقولات ، وفي أسرع الأوقات ؛ فهو النبي الذي له معجزة ، من القوة النظرية ، فلا يحتاج في المعقولات إلى معلم ، بل كأنه يتعلم من نفسه ، وهو الذي وصف بأنه « يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ، وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ ، نُورٌ عَلى نُورٍ » . الثالث : في القوة النفسية العملية ، فقد تنتهى إلى حد ، تتأثر بها الطبيعيات وتتسخّر . ومثاله ، أن النفس منا ، متى توهمت شيئا ، خدمتها الأعضاء ، والقوى التي فيها ، فتحركت إلى الجهة المتخيلة المطلوبة ؟ حتى إذا توهمت شيئا طيب المذاق تحلّبت أشداقه ، وانتهضت القوة الملعبة ، فيّاضة باللعاب ، من معادنه ، وإذا تصورت الوقاع ، انتهضت القوة ، فنشرت الآلة ، بل إذا مشى على جذع ممدود على فضاء ، طرفاه على حائطين ، اشتد توهمه للسقوط فانفعل الجسم بتوهمه ، وسقط ؛ ولو كان ذلك على الأرض ، لمشى عليه ، ولم يسقط .